نعم للثورة الفكرية

"نعم للثورة الفكرية " هي بقعة ضوء ومتنفس حرية لكل الطامحين لإقامة مجتمع يحترم كل افراده على اختلافاتهم وتنوعهم.

الخميس، 30 يوليو، 2015

داعش.. فخر ُ الصناعةِ الوطنية !!

على مرّ العقودِ الأخيرة عصفت بمنطقتنا الكثيرُ من الحوادثِ الدامية واشتعلت فيها العديدُ من الحروبِ الطاحنة ..حتى ارتبطَ اسمُ الشرقِ الأوسط بالموت والدمار..وارتبط اسمه أيضا بأنظمةٍ نالت شهرةً عالميةً منقطعة َ النظير..  لكن أياً منها لم ينل من الشهرة ما ناله تنظيم الدولة الإسلامية المعروف اختصارا ب " داعش" .
فعلى مدار العامين الماضيين..تصدرت أنباء التنظيم العجيب نشرات الأخبار وعناوين الصحف..وتسابقت المحطات الإعلامية في نقل أخباره ومعاركه..فجلبوا من اجله المحللين..وأقاموا على شرفه الندوات..وحللوا  ونظروا..فالبعض اعتبره صنيعةً ماسونية  ومؤامرة ً خارجية وآخرون رأوا فيه دولة الخلافة المنصورة التي أزالت حدود سايكس بيكو وأعادت للأمة هيبتها والتي ستمتد حتى تزيل تل أبيب من الوجود  (ربما لن يبقى احد ٌ منا  ليحضر ذلك النصر العظيم!!).
وقد اعتادَ الناس في العقدين الأخيرين سماع أخبار التنظيمات الجهادية والجماعات التكفيرية كالقاعدة وطالبان وبوكو حرام..لكن "داعش"حكاية أخرى..فذاك التنظيم  تميز بأسلوبٍ فريدٍ جعل الجميع يتقلبون بين مشاعر الرعب والخوف والإثارة والإعجاب ..فلا يكادُ يخلو نقاش ٌ من ذكر داعش وتحليل أفعالها وتصرفاتها...
 فمن هو هذا التنظيم العجيب وما هو تاريخه؟؟
                أحد عناصر التنظيم في مدينة الرقة السورية

في الخامس من ابريل عام 2003 سقط تمثال صدام حسين إثر دخول الجيش الأمريكي إلى عاصمة المنصور,سقط وسط احتفالات الشعب الذي كان  بالأمس يعدَه  صقر العرب وأسد الرافدين وحامي حمى الأمة.. ثم أمسى بين ليلة وضحاها الظالم الأثيم والطاغية المستبد.. وهذا ديدن الشعوب العربية التي لا تجيد إلا التصفيق والتهليل والشتم واللعن بينما غيرها يحيك خيوط التاريخ ويحبكها .
وما هي إلا فترةٌ حتى اعتُقل الصقرُ ليقُدمَ في ليلةِ العيد أضحيةً وفداء لآلاف الأبرياء الذين سلبهم حياتهم بمغامراته وطغيانه.  (1)
ذات الشعب الذي هتف له بالأمس..احتفل بسقوط صنمه اليوم !!


ولكن الحرية لا تأتي بها دبابات الغزاة..هذا ما اكتشفه الشعب العراقي بعد الاحتلال ..فبدأت حركات المقاومة والجهاد ,وبدأ معها تاريخ داعش .. ذاك الاسم الذي سيظل محفورا في ذاكرة التاريخ السوداء فترةً طويلةً من الزمن.
 ففي عام 2006وبعد عددٍ من الاندماجات والتحالفات تم تشكيل دولة العراق الإسلامية تحت زعامة أبي بكر البغدادي.
وفي عام 2013 توسع  التنظيم إلى سورية   ليصبح اسمه الدولة الإسلامية في العراق والشام, ولم يكد يمرَ عامان حتى سيطر على  مساحة كبيرة من أراضي الهلال الخصيب..ليأتي بعدها الحدث الجللُ في التاسع والعشرين من حزيران عام 2014 حين أعلنَ التنظيم إنشاء دولة الخلافة ونصب البغدادي خليفة ً لها ..لتكون الدولة الإسلامية أول خلافة منذ سقوط دولة آل عثمان عام1924 (2)


الى اليمين أمكنة سيطرة داعش اليوم..والى اليسار البلدان التي تحلم 
                      دولة الخلافة بنشر السواد فيها

وبدأ الناس يتساءلون عن طبيعة هذه الخلافة وعن أهدافها..وبالطبع لم تتركهم الدولة في حيرةٍ من أمرهم.. فما هي إلا شهورٌ معدودة حتى كانت قد ارتكبت عشرات المجازر والمذابح المريعة, ولعل أبرزها مجزرة سبايكر التي راح ضحيتها ألفان من طلاب القوة الجوية (3) .
وكما هو الحال مع كل الظواهر الجديدة فما إن أُعلِنت دولة الخلافة حتى بدأت الحملات الفيسبوكية والجعجعات الإعلامية والإدانات الدولية.. فاستاء بوتين وقلق بان كي مون أما أوباما فأكد كعادته على ضرورة محاربة الإرهاب.


  قتلوا ألفي شخص ٍأو يزيد دون أن يرف لهم جفن !!

وكعادة الشعب العربي.. شعب المؤامرات الكونية..والأيادي الخفية فإنه ما لبث أن ربط هذا التنظيم بقوىً شتى..فتارةً  ربطه بالمخابرات الأمريكية وتارةً بالفرنسية ثم انتقلوا للطعن في الخليفة نفسه فزعموا أنه ضابطٌ بريطانيٌ قديم..وعميل ٍ اسرائيلي رجيم.. ولكن هل هذه المزاعم صحيحة؟؟ وهل هذه المؤامرات حقيقية؟؟ أم أنها مجرد خرافات  ومحاولاتٌٌ يائسة ٌ للتنصل من المسؤولية ؟؟
الجواب يبدو واضحا..لا يمكن لأحدٍ أن يجزم أو يؤكد.. فكيف نعلم نحنُ البسطاء خبايا الموساد و خفايا المخابرات الأجنبية العتيدة ؟؟ ولكن حتى لو افترضنا جدلا أن هذا صحيح وكانت هناك مؤامرة..فهل انتهت مشكلتنا؟؟
 بالطبع لااا.. فالانتحاريون ليسوا ضباطاً بريطانيين وإسرائيليين..وليسوا جنود مارينز أمريكيين(4) ..بل هم مجموعات من العرب والشيشان والأفغان وحثالات ٌ من كل دول المعمورة  اجتمعت في شرقنا الكئيب لتقيم دولتها المزعومة !!        وحين نذكر تلك الحقيقة لا يمكننا أن نغفل عن سؤالٍ مهم ألا وهو  كيف اجتمعوا وما الذي وحدهم؟؟

وبالطبع سينبري أصحاب وساوس التآمر للإجابة و سيدعون أن الدواعش قد غُسلت أدمغتهم وعقولهم فأتوا لنشر الخراب بمؤامرةٍ أجنبية..وهم لا يفقهون من الدين شيئا ..هذا ما ردده الشعب وهذا ما زعمه (العلماء) الملتحون  ..ولكني أكرهُ تخييب ظنهم..وتفنيد ادعاءاتهم.. فلو عدنا بالتاريخ عامين إلى الوراء  لطالعتنا فتوى أولئك (العلماء) وهم يدعون للجهاد في سوريا.. تلك الفتوى التي هلل لها الشعب العربي .. وانجرف معها بسهولة ٍ دون النظر في حقيقتها وفي أبعادها المستقبلية..

هم حثالات ٌ من كل دول المعمورة !!

قد تُصدم عزيزي القارئ وقد تغضب لذكر رجال الدين فهم عندنا من المقدسات..ولكن هذه هي الحقيقة المرة..وإن الشفاء لا يتحقق بالإدعاء أو بإخفاء المرض ..وكيف ندعي الشفاء  ونحن قد دأبنا على إرسال أطفالنا إلى الجوامع ليسمعوا كلام الملتحين ويحفظوا كتب التراث, وكنا نتفاخر بهم حين يتفقهون بالدين,دون أن ندري ما يحشوا أولئك المعممون في عقولهم البريئة من تحريضٍ على القتل والدم ,حتى إذا ما جاء يوم الجمعة هرعنا إلى المساجد لنطرب أسماعنا بصوت الخطيب وهو يدعو على الكافرين ويلعن من يواليهم ويتشبه بهم..
نحن من كنا  نحتقر المخالفين لديننا حتى ونحن في بلادهم نستظل بظلّ عدلهم وننهلُ من معين حريتهم ونترفه بنتاج علومهم ,ولكن كل هذا  لا يهمنا فهم  الأعداء  والخصوم .
نحن من ملأنا رؤوس أطفالنا بقصص النعيم حيث الحور والخمر وبقصص الجهاد وفضل المجاهدين حتى صارت بلادنا مضماراً يتسابق فيه الدواعش  لتفجير أنفسهم طمعاً بالفردوس الموعود. 

وماذا فعل العربي أمام  هذا المد الإرهابي؟؟ العربي لم يفعل شيئا إلا أن استخدم جملته السحرية" داعش لا تمثلنا"..وكأن المشكلة ستحل بعد هذه الجملة..ذاك العربي لم تحركه مجزرة سبايكر ولم يحركه حرق معاذ..لكنه استشاط غضبا على ميا خليفة وأزبد وأرعد من اجل  زواج مثليين عربيين , وذات العربي كان قد حطم السفارات وكسر السيارات من أجل كاريكاتيرٍ في دولة بعيدة..فأدان نفسه بتهمة الإرهاب التي  ثار عند اتهامه بها !!  

    يخرجون في أعظم التظاهرات من اجل كاريكاتير..
    لكن حرق معاذ لم يعن لهم الكثير !!  
                             
 ذاك العربي هو من يؤمن بكتب التراث التي تدعونا لغزو الكفار.. فان لم يسلموا  أو يدفعوا الجزية صاغرين..حلَّ لنا قتلهم واستعباد أطفالهم وسبي نسائهم وبيعهن في أسواق النخاسة..ذاك الذي يمجد تاريخه ويقدس أبطاله الفاتحين ثم يفر منهم إذا اقتحموا واقعه وحياته , ذاك المتناقض الذي يدعو لدينه بحرية في بلاد العدل ثم يوافق على قتل المرتد ورجم الزانية في بلده..فبماذا يختلف هذا العربي عن داعش وبأي حق يدعي أنها لا تمثله ؟؟

     حلمنا هو تطبيق الدولة الدينية.. فإذا جاءتنا هربنا منها وادعينا أنها لا تمثلنا !!

إن سبب ظهور داعش هو تقسيم الناس إلى مؤمنين وكفار..فداعش يظنون أنهم هم أصحاب الحق وأنهم المسؤولون عن دعوة الكفار(كل من يخالفهم) إلى  الحق المبين( ما يعتقدونه فقط ) وقتلهم وتشريدهم إن اضطر الأمر.. فالجرائم التي ترتكبها داعش لديها كتب تشرعها وتحث عليها.. لذلك فإن الخطوة الأولى في محاربة داعش هي معرفة الأسباب التي أدت لظهورها !! فداعش ليست سيفا يقتل وحزاماً يفجر فقط بل هي الشيخ الذي يكفر أي مفكر يحاول تجديد الدين(5).. هي الشاب الذي يحاسب أخته على أنفاسها .. هي فكر الإقصاء واحتكار الحق.. وهذا الفكر الذي يحمله الكثيرون ,لا يحتاج أكثر من انتقاد صغير حتى يظهر الوجه الكالح المختبئ خلف  أقنعة التعايش والاعتدال...
       
          داعش هي فكر الإقصاء واحتكار الحق !! 

وإن أردنا التخلص من داعش علينا بتجديد فكري في تفكيرنا وعاداتنا..علينا أن لا نطلق الأحكام المسبقة وأن لا ننظر بعين واحدة..علينا أن ندرك أنّ الدين علاقة روحية ولا يصلح للحكم وقيادة الدول ..علينا أن نفهم أن المسيحي يظن مثلنا أن المسيحية هي الحق..فقط لأنه ورثها عن أهله كما ورثنا نحن ديننا وأفكارنا..علينا أن نتخطى خلاف أبي بكر وعلي..ومعركة يزيد والحسين..فليس من المنطق أن نحرق ظهر الأرض من اجل من أضحى في جوفها منذ مئات السنين..
علينا أن نُعمل عقولنا فلا نكذب العلم والمنطق استجابةً لأهوائنا وعواطفنا.. علينا أن ننبذ نظريات المؤامرة فانه من الحمق أن نظن أن الأحياء قد يتآمرون على مقبرة خاوية..علينا أن نجرب نشر الحب وأن نحاول قضاء أعمارنا  في حب بعضنا بدلا من كره الآخرين ..
علينا أن لا نخشى الغربة التي ستجلبها لنا معارضة القطيع فالغرباء سيزدادون وسيصبحون قوة ً جبارة ً تُصلح أكثر المجتمعات فساداً وتخلفاً.. وقبل كل ذلك علينا أن ندرك أخطاءنا التي أوصلتنا إلى الهاوية لان  تصحيح الأخطاء يبدأ عند الاعتراف بها..

 علينا أن لا نخشى الغربة ولو أدت بنا إلى السجن أو النفي أو حتى القتل(6)


فداعش لن تنتهي بضربات التحالف ولن تنتهي بالحروب والقتال وإن انتهت  فستظهر بعد عدة أعوام تحت مسمياتٍ جديدة وأهداف ٍ جديدة لان الفكر الظلامي هو من يأتي  بداعش وأمثالها..   داعش ستنتهي في اليوم  الذي تتغلب فيه الإنسانية على التلقين وينتصر فيه العقل ُ على الموروث.. ولذلك علينا أن نسعى لبلوغ مجتمع ٍ يسوده العدل والقانون لا الطوائف والعصبيات البغيضة..مجتمع ٍيُسألُ فيه المرء عن دينه..فيجيب بفخر " أنا إنسان"!!

žΦdiac

(1) حفلت حياة الزعيم العراقي السابق صدام حسين بالعديد من الحروب..منها حرب الخليج الأولى مع إيران(1979_1988) وغزو الكويت عام 1990 والذي أدى لنشوب حرب الخليج الثانية أو حرب تحرير الكويت عام 1991 واتُهِم بمجازر وبانتهاكات لحقوق الإنسان.. منها مجزرة الدجيل (1982) ومجزرة حلبجة عام (1988)
 (2) ألغى مصطفى كمال أتاتورك الخلافة نهائيا عام 1924 بعد أن ألغى السلطنة عام 1922
(3) مجزرة سبايكر وهي مجزرة جرت بعد أسر طلاب القوة الجوية في قاعدة سبايكر من العراقيين في يوم 12 حزيران/يونيو2014، وذلك بعد سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام على مدينة تكريت في العراق وبعد يوم واحد من سيطرتهم على مدينة الموصل حيث أسروا (2000-2200) طالب في القوة الجوية العراقية وقادوهم إلى القصور الرئاسية في تكريت، وقاموا بقتلهم هناك وفي مناطق أخرى رمياً بالرصاص ودفنوا بعض منهم وهم أحياء
(4) الجدير بالذكر أنه ينضم لداعش غربيون من فرنسيين وأمريكيين وغيرهم لأسباب دينية .
(5) أكبر مثال على ذلك محاولة العديد من رجال الدين الطعن في المفكر عدنان إبراهيم الذي دعا إلى تجديد الدين ليواكب العصر وإلى عدم تقديس الصحابة والسلف ..فاتُهم بتهم ٍعدة أدناها محاولة تقديم العقل على النقل وأعظمها اتهامه بالتشيع وأحيانا بالإلحاد..
(6) رائف البدوي وفرج فودة وعبد الله القصيمي من أهم مفكري الوطن العربي.. وإضافة ً إلى التفكير الحر ..فإن تعرضهم للاضطهاد هو ما يجمع بينهم أيضا فرائف(إلى اليمين) اعتُقل في عام 2012 بتهمة الإساءة إلى الدين الإسلامي وذلك بعد أن طالب بإلغاء هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومحاكمة رئيسها ابراهيم الغيث في محكمة العدل الدولية ..وحكم عليه في عام 2014 بالجلد 1000 جلدة إضافة للسجن 10 سنوات إضافة ً إلى غرامة ٍ مالية أما فرج فودة(في المنتصف) فقد قُتل على يد عبد الشافي رمضان إثر فتوى عمر عبد الرحمن مفتي الجماعة الإسلامية إضافةً إلى فتوى من علماء الأزهر بتكفيره..أما القصيمي (إلى اليسار) فقد نُفي بعد تحوله من السلفية إلى الإلحاد حسب زعم معارضيه وتعرض لمحاولتي اغتيال قبل أن توافيه المنية في عين شمس في القاهرة..